الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
166
نفحات القرآن
بل إنّهم يتّبعون أوهامهم وظنونهم فقط : « إِنْ يَتَّبعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ » « 1 » . « يخرصون » : - كما أشير سالفاً - مشتقّ من ( خرْص ) ويأتي بمعنى ( التخمين ) و ( الكذب ) لأنّ التخمين لا يصيب في أكثر الموارد ، وآية البحث تحتمل المعنيين . وقد ورد هذا المضمون وبفارق يسير في الآية الخامسة التي تقول بعد ذكر انحراف عبدة الأوهام : « وَما يَتَّبِعُ أَكثَرُهُمْ إِلَّا ظَناً إنَّ الظَنَّ لَايُغنِى مِنَ الحقِّ شَيئاً » ، ثمّ تهدّد هؤلاء الظانين بتعبير ذي معنى كبير : « إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ بِما يَفْعَلُونَ » . أجل ، إنّ الظنّ والوهم كالسهم في الظلام ، لا يمكن أن نصيب به الهدف ، ولو أصاب الهدف أحيانا فإنّه يكون محض صدفة ، من دون معرفة للهدف . « الظنّ » : في اللغة يشمل كلّ ظنّ ووهم ، وإن أطلق أحياناً على اليقين أيضاً إلّاأنّ المراد في آية البحث هو المعنى الأوّل . ومن الملاحظ إنّ اتّباع الظنّ ينسب إلى أكثرهم لا إلى جميعهم ، وقد لفت هذا المعنى نظر الكثير من المفسّرين . فقال البعض إنّ ( أكثر ) هنا تعني الجميع ( ولم يقم على هذا التفسير دليل ) . ومن الأفضل : أن يقال إنّ الآية تقصد الغالبية الجاهلة التي تتأثّر بالأوهام الخاطئة وتتعرّض للشرك ، وتقابلها الفئة القليلة من رؤوس الضلال الذين يدعون الناس إلى الضلال « 2 » على علمٍ منهم ، والأمل في الهداية موجود طبعاً في الفئة الأولى فقط والخطاب موجه إليهم . كما احتمل البعض أنّ في ( أكثر ) إشارة إلى جماعة تتبع الظنّ والوهم طيلة حياتها ومن جملتها ( الشرك ) فهي تطفو فوق أمواج من الأوهام وحجب الظلام والخيال « 3 » .
--> ( 1 ) وفقاً لهذا التفسير تكون ( ما ) في « وما يتبع » نافية وفاعل ( يتبع ) هو ( الذين ) ومفعول ( شركاء ) أي أنّ المشركين لا يتّبعون في الحقيقة شريكاً للَّهتعالى ( لأنّ اللَّه لا شريك له وهؤلاء الشركاء من صنع الأوهام ) ، ولكن احتمل جمع من المفسّرين بأنّ ( ما ) هنا استفهامية فيكون معنى الجملة هو : أي شيء يتّبعونه من دون اللَّه ويجعلونه شريكاً له ؟ فهل هناك إلّاالظنّ ؟ ( النتيجة في الاثنين واحدة تقريباً ) . راجع تفسير مجمع البيان ؛ وتفسير الكبير ؛ والقرطبي ؛ وتفسير الكشّاف ؛ وروح المعاني في ذيل آية البحث وقد احتمل البعض أنّ ( ما ) هنا موصولة إلّاأنّه يبدو بعيداً . ( 2 ) ورد ما يشابه هذا المضمون في تفسير روح البيان ، ج 4 ، ص 45 ؛ وتفسير روح المعاني ، ج 11 ، ص 103 . ( 3 ) وقد ورد هذا الاحتمال أيضاً في تفسير روح المعاني .